Search

ما هو شعور أن تعيش ببطارية فارغة؟ الجزء الأول


ما هو شعور أن تعيش ببطارية فارغة؟ الجزء الأول

سألته كيف حالك اليوم؟ فأرسل لي هذه الرسالة

” أستيقظ من النوم بعد ليلة طويلة وغير مريحة، أشعر أني لم أحصل على قسط كافٍ من النوم. أبحث في المساحة المظلمة حولي عن سبب للنهوض من السرير، فلا أجد. أتذكر مشروعي الذي خسرت فيه، صديقي الذي الذي فقدته في حادث سير، زواجي الذي انتهى بالفشل. هذه الأفكار التي تصبّح علي. أحزن على نفسي، فيزداد الوضع سوءاً، و تزداد صعوبة مهمة النهوض من السرير. وحتى بعد قيامي، أجلس أمام مائدة الإفطار، لا أجد الشهية لتناول الطعام. أقرأ رسالة من مديري الذي يسأل عن مهام لم أنجزها بعد لأني نسيت، أو تناسيت، لا أتذكر شعور التركيز وصفاء الذهن في العمل أساساً. أعود للمنزل بعد يوم طويل في الدوام لأجد نفسي فقدت الرغبة في هواياتي، مقابلة أصدقائي. الإصرار على محاولة حل المشكلة يزيد تجاربي الفاشلة في ذلك، فأفقد الأمل في وجود مخرج. الأفضل لي ألا أحاول أساسا لأنه مافي فائدة يا دكتور“

هذه الرسالة من أحد عملائي في التدريب تلخص رحلة مختصرة في دماغ شخص مكتئب. هناك أكثر من ٣٠٠ مليون شخص حول العالم اليوم يصابون سنوياً بما أصيب به صديقي/عميلي. الإكتئاب مرهق. ولكن هذه المقالة ليست مقالة عن الإكتئاب.

الإكتئاب مرض له معايير لتشخيصه، والكآبة العابرة شعور إنساني يمر به أي أحد، بل كل أحد. ولكن ماذا لو كانت نسبة كبيرة من الإكتئاب نهاية لمشكلة أخرى، وليست بداية لمشكلة بحد ذاتها؟ ماذا لو كان الحزن، فقدان الإهتمام، التوتر، فقدان الشهية، فقدان النوم، قلة التركيز، الشعور بانعدام القيمة، بانعدام الأمل (أعراض الإكتئاب)، هي دلالات لمشكلة أخرى؟ بينما سيؤكد لك كل أخصائي نفسي في العالم أنك لو كنت ممن يشعر بهذه الأمور لمدة تزيد عن الأسبوعين، فيجب عليك زيارة متخصص، قد يكون شعورك بها دلالة على شيء بدأ قبل زمن طويل جداً. الفراغ. ولكن الفراغ مماذا؟ وأين يحدث هذا الفراغ؟ في أجسامنا؟ في أذهاننا؟

”كثير من الناجحين في الحياة يشعرون بالفراغ من الداخل“. هذه جملة شدت انتباهي من ديفيد قوقينز، رياضي، وعسكري سابق، ومتحدث تحفيزي ناجح حالياً. فعلاً، لماذا الشعور بهذا الفراغ، بالرغم من النجاح، أو بالرغم من امتلاكك لكل شي تريده في حياتك، أو تظن أنك تريده؟

البحث البسيط في قوقل عن الشعور بالفراغ، سيوصلك لملايين من نتائج البحث التي ستوجهك للحلول مباشرة. لكن أعتقد أني أريد اليوم أن نقضي بعضاً من الوقت سوياً للتفكير والبحث في السبب والمعنى أولاً قبل القفز للحلول.

فلنتخيل أنه بالإضافة للقلب، والدماغ، والمعدة، والكلى وغيرها من الأعضاء في أجسامنا، أن هناك عضواً يشبه في شكله البطارية. فلنسميه جدلاً: البطارية. أدري، اكبت حماسك من المفاجأة قليلاً من فضلك. لو حاولنا نتخيل ما الذي يمكن أن تتكون منه هذه البطارية، وما الذي يشحنها وبالتالي يعطينا كل شيء نحتاجه لنعيش الحياة التي نريدها؟ وما الذي يفرغها، و يجعلنا نشعر بالأعراض التي ذكرتها قبل قليل؟ ماذا ستكون إجاباتك؟

هناك مصطلح باللغة الإنجليزية، يتردد كثيراً في أوساط الناجحين:

Fulfilment. أن تشعر أنك ممتلىء، أو مشبع

أستطيع أن أتخيل ذلك الناجح الذي يصف شعوره بال“إمتلاء“ أن عضو البطارية الوهمي الذي ابتدعناه سوياً قبل قليل عنده ممتلىء. ”أشعر أني ممتلىء -البطارية- عندما أشعر أني أستطيع أن أصنع تجارب إيجابية في حياتي“. هذا وصف أحد مؤسسي موقع للصحة النفسية في بريطانيا.

عجبني. لأنه يستخدم الفعل، أستطيع، وأصنع. ينقل دفة التحكم من ظروف الحياة، إلى أبسط الأشياء في متناولنا. أن تفعل. هممم، هل نستطيع أن نشحن بطارياتنا بأنفسنا؟ وما الذي يفرغها أساساً؟وكما يقول الأمريكان: فلندخل في الأعمال.

Let’s get down to business

الحمد لله أني مدرب، وليس مترجم.

هناك ٣ ظواهر تفرغ بطارياتنا، مرت عليّ في عملي كمدرب لمدة تزيد عن ال٨ سنوات لليوم، وقبلها في كلية الطب. هذه الظواهر تدفعنا للشعور بالفراغ، وبتلك المشاعر المزعجة التي وصفها لنا عميلي في بداية المقال. لاأدعي أن هذه ال٣ ظواهر هي كل ما هو موجود. ولكن بما أني جبت طاري الأمريكان، فسأذكر لكم أني تأثرت بمدرستهم في التدريب: يحبوا يجيبوا من الآخر، وأنا كذلك. باختصار: كيف أجعل شحن البطارية شيئاً أتحكم به؟ بدلاً من تركه تحت رحمة ظروف الحياة. اتفقنا؟

الظاهرة الأولى: عدم المداومة على شحن العمل والحياة

الحقيقة أني أدين للكاتب توم راث، أول من وجه انتباهي لمثال البطارية في كتابه

Are you Fully Charged?

ولكن ما شد انتباهي هو استخدامه، كذلك، لصيغة الفعل: اشحن. أيضاً، استخدامه لمصطلح ”المداومة“، بمعنى أنه فعل، أو مجموعة أفعال، نحتاج للقيام بها بشكل متكرر، ومستمر، إذا كنا نريد المحافظة على بطارية ”مشحونة“ طوال الوقت. فكيف يمكننا أن نتأكد أن أعمالنا، وحياتنا، مشحونين على الدوام؟ جمعت لكم ٣ نصائح مستلهمة من توم في كتابه. أعتبر النصائح تلخيص مجحف بحق الكتاب والعمل الذي يقدمه. وحتى لا نكون متحيزين لبني أمريكا بشكل كامل، سأبدأ أول هذه النصائح بمقولة صديقي، ومدربي، ولد مكة، الخبير أسامة نتو. (إيش دخّل مكة في أمريكا)؟!

نصيحة ١: عن طاقة النية: افعل أشياء ذات معنى يومياً

حضرت مؤخراً برنامج تدريبي للخبير أسامة نتو بنية تجديد المعلومات فيما يخص تنشيط مصادر الدخل المادي، كما وعد في إعلان البرنامج. وفي أول تدريب عملي، وجدته يسأل المشاركين: ”ماهي نيتك من الرغبة في كسب الفلوس؟“. (وما دخل النية في المال يا أسامة؟) الحقيقة أن أسامة ضرب المسمار على رأسه تماما: فالإستمرار في العمل على جلب المال يتطلب أن يكون الشخص متحمس، نشيط، مركز، راض عن نفسه وأعماله. تتفقون؟ إذاً هل بالإمكان لشخص يعيش ”ببطارية فارغة“ أن يعيش كل ذلك؟ وماذا عن أصدقاءنا الناجحين الذين شعروا بالفراغ المستمر في بداية المقال؟ يبدو أن المال وحده لا يشحن البطارية، وأن هناك أشياء أخرى ذات معنى تقوم بالمهمة، أو تكمّلها، عند الكثير من الناس.

وفي محاولة لحل اللغز، ولفهم هذه الإحتمالية أكثر، نعود من مكة إلى هارفرد وعيال بوسطن، حيث أجرت الباحثة تيريسا أمابيل والأخصائي ستيفن كريمر دراسة، تضمنت جمع مذكرات يومية ل ٢٣٨ موظف، ١٢ آلف تدوينة بلغ طولها ٦٤ ألف يوم مسجل، استنتجت أن أكثر شيء مشترك يحافظ على شحن البطارية في العمل كان: أن أشعر أني أحرز تقدم في عمل له معنى. كان هذا الجواب مشتركاً بين صاحب الراتب العالي والمنخفض على حد سواء. والأهم؟ أن نتذكر أن صناعة هذا المعنى فعل، وليس حدث. بمعنى أنه شيء في متناولنا صنعه، وليس انتظاره، أو مطاردته.

إذاً كيف يمكننا أن نصنع معنى في أيامنا، أعمالنا، حياتنا؟ لنقرأ رأي صديقي توم، والذي سألخصه على شكل رصاصات، تضرب عقولنا لتحفزنا للمزيد من البحث:

اصنع فرص للفوز يومياً ولو بالقليل. عش يوم مليء بأفعال دوافعها داخلية وشخصية، وليس ردود أفعال لمحفزات خارجية. اكتب جملة تلخص دوافعك الداخلية وتأكد أن تكون أغلب أفعالك متوافقة معها. اجعل عملك وسيلة لهدفك ودوافعك، وليس مكانا تتردد عليه فقط. ذكر نفسك بأثر عملك على غيرك من الناس. ابحث عن دافع أقوى من الراتب/الدخل مثل الإحترام، التأثير، حس المسؤولية. اسأل نفسك ماهي المشكلة التي يحلها عملي في العالم اليوم؟ قد تجد إجابات تفاجئك، وتشحنك!

نصيحة ٢: عن موازنة طاقة التواصل مع النفس، مع الرب، ومع الآخرين

سرعة الحياة تنسينا أهمية اللحظات الصغيرة. هذه اللحظات هي تواصلنا اليومي. مع الناس، مع أنفسنا وأفكارنا، مع ربنا وروحانياتنا، مع التكنلوجيا. مجموع جودة هذا التواصل يمثل فعلياً جودة حياتنا. الحرص على صنع تواصل إيجابي يومياً شيء جدير بالحرص والتطوير كما يقول صديقنا توم. المزيد من الرصاصات هنا:

مهما كان ما سأقوله نصيحة قديمة، قدّم حسن النية في الناس. أنت المستفيد والخسران إن فعلت أم لم تفعل. كن لطيفاً قدر المستطاع، أنت لا تعي الحروب الخفية التي يخوضها من تقابل في يومك. اصنع لحظات تواصل إيجابي كثيرة، وبادر بها أنت. الإيجابية علم، وفعل، وبالرغم أنه لا يمكننا تحقيق ١٠٠٪ من الإيجابية، فاهدف أن تكون ٨٠٪ من أفكارك ٨٠٪ عن أشياء تحبها، تريدها، حتى لو لم تتحقق. الكلمات الإيجابية للناس مثل الصمغ، حتى لو كان كلامك في باطنه شيء حاد أو مزعج، غلفه بكلام إيجابي يلتصق به مثل الصمغ، لن يضرك شيئا. اعط جزء من انتباهك بنية تحسين حياة شخص اليوم. بينما يردد الناس ”خذ وقت مستقطع من العلاقات“، افعل العكس وخذ وقتاً مستقطعاً للعلاقات. درب نفسك على تمني ما تملكه أساساً: ارغب بما عندك. قدّم التجارب على النتائج ان استطعت. اشتر السعادة، لشخص غيرك. لصحتك النفسية، تجنب أن تطير وحيداً، أشرك من استطعت في رحلتك، الحياة قصيرة

نصيحة ٣: اصنع طاقة للجسد

لا ألومكم إذا كنتم تعتقدون أنه كان يجب أن أبدأ مقالاً عن البطاريات، بنصيحة الطاقة. ولكن أن تصل متأخراً خير من ألا تصل. تعمدي بتأخير كلمة الطاقة هو لهدف عدم اختزال مفهوم الطاقة هنا في حدود زاوية كل شخص حسب فهمه. الطاقة مصطلح يتغير حسب زاوية النظر والتخصص. فالمتخصص بالتدريب العضلي قد يتفاجأ عندما يكتشف أن ”التفكير“ يستهلك ٥٠٪ من مصادر الكربوهيدرات (تخيل). والنفساني قد يجهل أن الشمس تحرر فيتامينات تنتج في الكلى تزيد من تركيز الدماغ. الأمثلة لا تنتهي. لذلك، ولأريح نفسي من عبء شرح هذه الكلمة المفخخة، سأتجه وللمرة الثالثة لصديقي، ومنقذي، توم، ليخبرنا كيف نصنع الطاقة عندما نشعر أن بطارياتنا فرغت. لنقرأ المزيد من رصاصات هذا المبدع:

ضع صحتك أولاً، لن تستطيع تقديم ما لا تملكه مهما كانت درجة حبك للشخص أو العمل الذي تضحي من أجله. التخطيط للمستقبل شيء جميل، ولكن لا تهمل أهمية الإندماج في الأفكار قصيرة المدى. الإنغماس فيما تحب ولو للحظات سلاح سينقذك من القلق. المحافظة على نظام غذائى يساعدك في التحكم بالوزن مفيد، لكن ابحث عن غذاء يعزز مزاجك ونفسيتك كذلك، التوازن جيد. تعلم المشي قبل الجري: عدم مقدرتك على أداء رياضات صعبة اليوم لا يجب أن يمنعك من القيام بمجهود تقدر عليه من اليوم. جسمك ذكي، وسيتأقلم ويقوى مع الوقت. لا تجلس كثيراً، الجلوس متعب للجسم أكثر من الحركة. الجلوس يفرغ بطاريتك. تدرب لمدة ٢٠ دقيقة يوميا، واجعله تحدٍ شخصي. ٢٠ دقيقة تعطيك ١٢ ساعة من الشحن لبطاريتك. النوم يقيك من التوتر، لا تفرّط فيه من أجل الإنتاجية قصيرة المدى.

صديقي، وعدتك باستعراض ٣ ظواهر تفرغ بطارياتنا. ولكن كتابة مقال مثل هذه هو مهمة تشبه في شكلها مهمة ذبح وسلخ الفيل وتحضير وجبة لذيذة من لحومه. سأستعرض لك، عند وعدي، الظاهرتين الأخريتين في جزء ثاني تابع لهذا المقال، وهما:

الظاهرة ٢: تخيل أن تعيش حياتك باستخدام نقاط ضعفك فقط

الظاهرة ٣: الصدمات النفسية التي تفرغ البطارية

نستطيع في نهاية هذا المقال، وبعد أن استعرضنا شكل البطارية الفارغة، وتأثير ذلك الشعور على حياتنا، أن نتخيل الآن كيف من الممكن أن تكون حياتنا لو عشناها ببطارية ممتلئة. حياة فيها معنى؟ علاقات قيمة؟ لإيمان بأن شحن، تعبئة، إمتلاء هذه البطارية، أصبح شيئاً في متناولنا. وليس شيئاً يقع ضحية تقلبات الحياة باستمرار.طاقة؟ تركيز؟ سعادة ورضا عن الذات؟ شعور بالإمتلاء والشكر والعرفان؟

مصادر

Are you fully Charged? ١- كتاب

٢- رحلات مع أسامة نتو

٣- تدوينة ذات علاقة: عندما تفقد الحماس تجاه عملك الذي تحبه، اسأل نفسك هذا السؤال

6 views0 comments

Recent Posts

See All